منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» طلب مساعدة عاجلة جداأمس في 22:38 من طرف د وليد بدوى» طلب مساعدةأمس في 21:54 من طرف ميعاد2»  برنامج تحليل التواقيع بقواعد القوس والوتر .. برنامج تحليل الرسومات والأشكال الأحد 31 أغسطس 2014 - 3:27 من طرف العبيير» مكتبة تحميل كتب الأدب العربي والعالمي pdfالسبت 30 أغسطس 2014 - 19:38 من طرف karnz» افران 90 سم غاز جليم جاز Glem Gas – مسطح 60 سم جليم جاز Glem Gas ( تراست جروب لاجهزة البلت ان 01117172647 – 26901129 )السبت 30 أغسطس 2014 - 18:31 من طرف بهية اللُغوية» أول الغيثالسبت 30 أغسطس 2014 - 12:34 من طرف عبد الهادي الشاوي» رسالة تجريبية الجمعة 29 أغسطس 2014 - 17:23 من طرف ابوهجر» سيرة ذاتيةالجمعة 29 أغسطس 2014 - 17:11 من طرف ابوهجر» شكرالخميس 28 أغسطس 2014 - 19:12 من طرف انس الياسي» خيار الخميس 28 أغسطس 2014 - 11:48 من طرف عبد الهادي الشاوي» مجلة الفكر العربي المعاصرالأربعاء 27 أغسطس 2014 - 5:10 من طرف أ نهى» طلب الکتابالثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 22:55 من طرف مینا» اجهزة بلت ان جليم جاز (تراست جروب لاجهزة البلت ان 01117172647 – 26901129 )الثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 18:16 من طرف نانانونا»  مذهب " التفسير السياسي للدين": قراءه نقديه اسلاميهالثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 13:23 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» الطائفه اليزيديه:قراءه منهجيه لتاريخها العقدى والاجتماعىالثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 13:18 من طرف صبرى محمد خليل خيرى
شاطر | 
 

 اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بن عزيزة بختة
عضو شرف
عضو شرف


القيمة الأصلية

البلد:
الجزائر (سعيدة)

عدد المساهمات:
193

نقاط:
419

تاريخ التسجيل:
17/12/2012

الموقع:
dahmanis18@yahoo.com

المهنة:
طالبة ماستر


مُساهمةموضوع: اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم   الإثنين 28 أكتوبر 2013 - 22:03

اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم
دراسة دلاليّة
أ.د/ إسلام محمّد عبد السلام
أستاذ النحو والصرف المساعد
المعهد العالي للدراسات النوعيّة بالهرم
قسم اللغات والترجمة
Islamm_abdelsalam@yahoo.com
اسم الفاعل هو ما دل على الحدث والحدوث وفاعله( )، ويقصد بالحدث معنى المصدر، وبالحدوث ما يقابل الثبوت، فـ " قائم " مثلاً اسم فاعل يدل على القيام وهو الحدث، وعلى الحدوث أي التغيير، فالقيام ليس ملازماً لصاحبه، ويدلّ على ذات الفاعل أي صاحب القيام.
وبينه وبين الفعل المضارع شبه واضح من حيث المعنى والعمل، يقول سيبويه: " فإذا أردت فيه - اسم الفاعل- من المعنى ما أردت في يفعل كان نكرة منوناً، وذلك قولك: هذا ضاربٌ زيداً غداً، فمعناه وعمله مثل: هذا يضرب زيداً غداً، فإذا حدثت عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك. وتقول: هذا ضاربٌ عبد الله الساعة، فمعناه وعمله مثل: هذا يضرب زيداً الساعة. وكان زيدٌ ضارباً أباك فإنّما تُحدِّث أيضاً عن اتصال فعل في حال وقوعه، وكان موافقاً زيداً، فمعناه وعمله كقولك: كان يضرب أباك ويوافق زيداً، فهذا جرى مجرى الفعل المضارع في العمل والمعنى منوناً."( )
فإذا خرج الزمن إلى الماضي جعل اسم الفاعل بلا تنوين، مضافاً، ولا يعمل في رأي جمهور النحاة، يقول عبد القاهر الجرجاني:" اسم الفاعل على ثلاثة أضرب: أحدها أنْ يكون لما مضى، والثاني: أنْ يكون للحال، والثالث: أنْ يكون للمستقبل. فالذي يعمل عمل الفعل ما كان للحال أو المستقبل دون ما مضى، وإنّما أُعمل اسم الفاعل عمل الفعل المضارع لما كان جارياً عليه في حركاته وسكونه وتأنيثه وتذكيره، وأنّه يثنّى ويجمع بالواو والنون والألف والتاء كما يلحق الأفعال علامة التثنية والجمع، فالأسماء لا أصل لها في العمل، ألا ترى أنّ نحو رجل وفرس لا يرفع ولا ينصب، وإنّما العمل للفعل وما يشبهه. فاسم الفاعل على ثلاثة أضرب كما أنّ الزمان كذلك، فالذي يعمل عمل الفعل ما كان للحال أو الاستقبال، كقولك: زيدٌ ضاربٌ عمراً الساعة، وهذا رجلٌ ضاربٌ زيداً غداً."( )
يقول ابن بَرْهان العكبري:" القياس أنْ تكون جميع الأسماء معمولة غير عاملة، ومعربة منونّة، وأنْ تكون جميع الأفعال مبنيّة عاملة، ولكنّهم لما أعربوا المضارع لمضارعته الأسماء أعملوا ضارباً لمشابهته الفعل المضارع. فأمّا العامل من باب ضارب لم يكن للماضي إذ ما مضى لا يشبه المضارع، إنّما يشبه ما مضى من الأفعال، وما مضى من الأفعال مبنيّ غير معرب."( )
"ويتبيّن من هنا أنّ البصريين لم يعقدوا الشبه بين بناء فاعل وأبنية الأفعال من حيث كون كلّ منهما حدثاً يقترن بزمانٍ ما نستوضحه في القرائن والمعاني، ولكنّهم اهتموا بالأمور الشكليّة من ناحية أنّ هذا ( البناء) يشبه الفعل المضارع في حركاته وسكناته ، فإنّ ( ضارب) مثل (يضرب) من حيث الحركات، وهذا كلام يبدو ضعفه؛ ذلك أنّ هذا البناء لا يجمعه والمضارع من حيث الحركات المتشابهة إلا كسر ما قبل آخره كما في (ضارب) و(يضرب)، في حين أنّ ( كاتِب) لم يسلم له هذا الكسر فيما قبل آخره في الفعل الذي أخذ منه وهو( يكتُب). وأكبر الظنّ أنّهم لم يلجأوا إلى عقد هذه المشابهة الشكليّة إلا ليأخذوا بما أخذوا به أنفسهم من اتباع منهجهم القائل بالعلل ، فاسم الفاعل لم يعمل عمل الفعل ، وهو صاحب الأصالة في العمل، إلا لتوفّره على هذه الناحية من الشبه، وهي ناحية ضعيفة كلّ الضعف. وأنّهم شبهوا بناء (فاعل) بـ( المضارع)؛ لأنّ ( فاعل) اسم، والمضارع يضارع الاسم. وهذا قول ضعيف إذ أنّهم أهملو العنصرين المهمّين في مادة الفعل بقولهم (مضارع) ، هذان العنصران هما: الحدث والزمان، وينجم عن هذا أنّهم جعلوا بناء (فَعَل) بعيداً عن مضارعة الاسم، وكأنّه شيء لا يتّصل ببناء (يفعل) . ومن أجل هذا لم يروا من شبه بين (فعل) و( فاعل) ، ولمّا لم يكن ( فاعل) مشابهاً لـ (فَعَل) في الشكل من حيث الحركات والسكنات، ومن حيث إنّ (فاعل) متأثّر بالإعراب خلافاً لـ (فَعَل) لم يجيزوا إعمال (فاعل) إنْ دل على المضي.
والكوفيون قد حرّروا أنفسهم من القول بهذه القيود التي يعمل بها اسم الفاعل، وهي وجوه الشبه بينه وبين الفعل المضارع؛ ولذا فقد أجاز الكسائي إعمال بناء ( فاعل) الدال على المضي أخذاً بالنصوص الفصيحة كما في لغة التنزيل، وجعل منه قوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ "( )
قال ابن هشام:" خالف في ذلك – شرط الحال أو الاستقبال – الكسائي وهشام وابن مضاء فأجازوا إعماله إنْ كان بمعنى الماضي، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ ( ) وأجيب بأنّ ذلك على إرادة حكاية الحال."( )

وقراءة الآية داخل السياق قراءةً جديدةً تكشف لنا عن علّة تنوين اسم الفاعل بعيداً عن تأويلات نحاة البصرة، " فما لايفتقر إلى تقدير أولى مما يفتقر إلى تقدير."( )
قال تعالى : ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً{17} وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً{18} وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾( )
تتضافر ألفاظ الآيات السابقة في الإيحاء بدلالة مهمّة لأهل الكهف، وهي عدم استمرارهم في كهفهم، وأنّ رقدتهم الطويلة التي تشبه الموت سيستيقظون منها، فالإخبار عن الأحداث جاء عن طريق الأفعال المرتبطة بزمن وحركة ينقضيان في وقتٍ ما ( ترى، تزاور، غربت، تقرضهم، تحسبهم، نقلبهم، بعثناهم ) " فالمسرح بكلّ ما فيه من وسائل تعبيريّة يكاد يعجز عن تصوير الحركة المتماوجة، حركة الشمس وهي تزاور عن الكهف عند مطلعها، فلا تضيئه، وتتجاوزهم عند مغيبها فلا تقع عليهم" ( ). وكذلك لفظ "نقلبهم " الذي نشعر عند سماعه بعدم ثباتهم على ما هم عليه، وأنّ حالتهم هذه نوم سينقطع ويستيقظون منه، وليس موتاً، ثمّ يستكمل القرآن تلك الصورة بتنوين اسم الفاعل "باسطٌ " لنصل إلى الإيحاء نفسه مع "الكلب" الذي لن يستمر في بسط ذراعية، وأنّ ذلك حدثٌ طارئ لا ثبات فيه، ثمّ جاءت الآية المبيّنة لذلك كلّه ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ لتوضّح وتؤكّد لنا هذه الفكرة، فالحياة تدبّ فيهم، ويستيقظون بعد رقدتهم الطويلة، وينتهي الكلب من بسط ذراعية؛ ليظهر لنا من ذلك أنّ التنوين مقصودٌ ومتناسقٌ مع السياق والآيات، ولو أضاف "باسطُ ذراعيه" لشعرنا معه بالثبات والاستمراريّة اللذين يتناقضان ومراد الآية.

ومن الآيات التي وضح فيها اضطراب قواعد النحاة حيث أضيف اسم الفاعل إلى معموله مع دلالته على الحال أو الاستقبال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ( )و﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ( ) و﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ))، وقد ذكر سيبويه وغيره أنّ العرب تفعل ذلك استخفافاُ دون أنْ يتغير المعنى.( )
والواقع الذي أنطلق منه في بحثي هذا أنّ هذه الأساليب وغيرها تحتاج إلى قراءة لغويّة جديدة في إطار السياق، حيث وضح لي من خلال استقراء آيات القرآن الكريم أنّ اسم الفاعل المنوّن لا يدلّ فقط على الحال أو الاستقبال، وإنّما يراد به عدم استمرار الحدث أو ثبوته، وأنّه أمر طارئ منقطع كما سبق أنْ أوضحت في قوله تعالى : ﴿ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾( )، أمّا اسم الفاعل المضاف إلى معموله فيفيد الاستمرار وثبوت الحدث كما في قوله تعالى : ﴿ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ( ) والذي يتّضح منه ثبات الخاشعين واستمرارهم في الإيمان واليقين بلقاء الله والرجوع إليه ( )
يقول الأستاذ عباس حسن معلقاً على قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَاعلُ اللَّيْلِ سَكَناً﴾ ( ): "إنّ زمن الوصف في الآية دائم مستمرّ، يشمل الماضي والحال والمستقبل، ولكن هذا الدوام الزمني ليس متّصل الأجزاء بغير انقطاع، وإنّما يتخلّله انقطاع يزول، ثمّ يعود مرّة فأخرى، فحين يجعل الله الليل سكناً يكون الليل موجوداً، وحين لا يجعله سكناً يختفي، ثمّ يجعله مرة أخرى، ثمّ يزيله، ثم يعيده وهكذا دواليك، فالاستمرار موجود حقاً."( )
وجاء في شرح التصريح بعد الآية سالفة الذكر: " أمّا إذا كان اسم الفاعل بمعنى الاستمرار في جميع الأزمنة ففي إضافته اعتباران أحدهما: أنّها محضة باعتبار معنى المضي فيه، وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة ولا يعمل، وثانيهما : أنّها غير محضة باعتبار معنى الحال أو الاستقبال، وبهذا الاعتبار يقع صفة للنكرة ويعمل فيما أضيف إليه."( )
ويقول الأستاذ عباس حسن في موضع آخر : " أمّا الصفة المشبهة من مصدر غير الثلاثي - وهذا إنْ كانت في أصلها اسم فاعل، أو اسم مفعول، وقد تحول كلّ منهما إليها في الدلالة - فلا بدّ من مجاراتها لمضارعها، إذ هي في الأصل اسم فاعل أو اسم مفعول من غير الثلاثي وهما من غير الثلاثي يجاريان المضارع حتما،ً ثمّ أريد من كلّ منهما الثبوت، فصار صفة مشبهة على هذا الاعتبار." ( )
وذكر الدكتور مالك المطلبي معلّقاً على إضافة اسم الفاعل في القرآن الكريم:" قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ ( )جاء في سياق عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم، وهي قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ فهذا حكم عام خالٍ من الزمن اللغوي."( )
وقال بعد أنْ ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ ( ):"أمّا الصيغة (منجوك) فاستفيد منها في ثبوت تحقق حدث التنجية، ولا يستفاد ذلك إذا حلّت محلّها صيغة المستقبل (سننجيك)، وتتكرر صيغة فاعل في هذا السياق لتكوّن نسقاً دلالياً: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾( )، ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً﴾( ) فلم تنوّن صيغة فاعل لقصد المستقبل، بل للفصل بينها وبين ما أضيفت إليه، وكان الافتراض النحوي يكون: إنّا منجوك وأهلك ومنزلو رجزٍ على أهل هذه القرية."( )
فعبارة سيبويه وغيره في التعليق على حذف التنوين:" العرب تفعل ذلك استخفافاً دون أنْ يتغيّر المعنى" تحتاج إلى إعادة نظر، كما أنّ القول بتنوين اسم الفاعل أو إضافته إلى معموله لا بدّ له من قراءة جديدة في ضوء السياق اللغوي .
يقول الدكتور تمّام حسان في ذلك:" والفكرة الهامّة التي أردت أنْ أسجّلها تحت هذا العنوان ( تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد ) أنّ المعاني الوظيفيّة التي تعبّر عنها المباني الصرفيّة هي بطبيعتها تتسم بالتعدد والاحتمال، فالمبنى الصرفي الواحد صالح لأنْ يعبّر عن أكثر من معنى واحد مادام غير متحقّق بعلامةٍ ما في سياقٍ ما، فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصاً في معنى واحد بعينه تحدده القرائن اللفظيّة والمعنويّة والحاليّة على السواء."( )

فالصفحات القادمة تتناول دلالة اسم الفاعل في القرآن الكريم من زاوية أخرى غير التي أشار إليها النحاة، وهي الزاوية التي تعبّر عن الحالة القائمة لاسم الفاعل في سياقه من حيث استمرار وثبات الحدث أو انقطاعه وعدم تكراره ، وهو استقراء يوضّح لنا وجوه الاستعمال اللّغوي لصيغة اسم الفاعل بعيداً عما ذكره النحاة واهتموا به ، حيث تركّز جهدهم في وضع شروط الصيغ ومقيسها ومسموعها، وقعّدوا لذلك القواعد ، أمّا مسألة الدلالة فإنّهم كانوا يمرّون بها عرضاً، ولا شكّ أنّه لو لم يختلف المعنى لما اختلف الأسلوب بين التنوين والإضافة، فليس كما ذكروا " أنّ العرب تفعل ذلك استخفافاً دون أنْ يتغيّر المعنى" ، فكلّ عدول من أسلوب إلى آخر يصحبه عدول عن معنى إلى آخر .
فهذا البحث محاولة لدراسة معاني اسم الفاعل في القرآن الكريم في حالتي التنوين والإضافة ، وأودّ أنْ أشير إلى أنّه ليس درساً إحصائيّاً لكلّ صيغ اسم الفاعل في القرآن الكريم، وإنّما هو دراسة دلاليّة لبعض النماذج لإلقاء الضوء على تلك الصيغة في سياقها اللغوي .
فإن أصبت فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . 
( مالك)

• قال تعالى:﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4}﴾ ( )
تبدأ الآية الكريمة بـ"الحمد" وهي الصفة الأولى الثابتة لله عزّ وجلّ في هذه السورة، وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله لكونه من المصادر التي تنصبها العرب( )، والعدول بها إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره، وهو المعنى المراد في ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ ﴾. و﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف في "مالك" هي من إضافة اسم الفاعل إلى الظرف عن طريق الاتساع لإرادة الاستمرار والثبوت، وبيان تفرّده تعالى بإجراء الأمر فيه، ويؤيّد المعنى قراءة " مَلِك " بدون ألف، وهي صفة مشبهة( ). و(يوم الدين) وإنْ لم يكن مستمراً في جميع الأزمنة فإنّه لتحقّق وقوعه وبقائه أبداً أجري مجرى المتحقّق المستمرّ، وذلك لقدرة الله تعالى في يوم الدين، أو على إحداث يوم الدين في أي وقت؛ لأنّ المالك للشيء هو المتصرّف فيه والقادر عليه، وفيه تنقطع دعاوي الملكيّة، ولا يدّعي أحدٌ هناك شيئاً، فـ ﴿الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾( ) ، وسبحانه ﴿مالك يوم الدين﴾.

( جاعل)

• قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ( )
"خليفة" في الآية الكريمة بمعنى فاعل، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي، والمقصود به آدم -عليه السلام- ومن صلح من ذريته، فهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره؛ لأنّه أوّل رسول إلى الأرض، فتأويل الآية على هذا: إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة منّي يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإنّ ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه في جميع الأزمان ، وأمّا الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فليس من صفات الخليفة، وهذا المعنى وضح من خلال تنوين جاعل التي يفهم منها نفي استمراريّة خلافة الله لكلّ البشر، وإنّما من آمن بالله وأطاعه، يقول سيّد قطب: " فهنا في هذا الجو تجيء قصّة استخلاف آدم في الأرض ومنحه مقاليدها على عهد من الله وشروط، وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة، كما أنّها تمهّد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من الله، ثمّ عزلهم عن هذه الخلافة، وتسليم مقاليدها للأمة الإسلاميّة."( )
فقد أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ( ) فما كان منهم إلا أنْ كفروا بآيات الله ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ ( )﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ( )
فخلافة الله للبشر هي منحة لمن آمن منهم، وليست لكلّ الخلق، ولو أراد الله الخلافة لكلّ البشر لقال: " إنّي جاعلُ خليفةٍ في الأرض " بالإضافة، ولكن لعلمه والذي أعلمه للملائكة أنّ بني البشر يفسدون ويسفكون الدماء، قصر الخلافة على من يطبق أحكامه وأوامره، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ ( ) َ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ{13} ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾( ) ويقول تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ( )


(ملاقٍ)
* قال تعالى : ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ{45} الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ( )
* قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ( )
* قال تعالى : ﴿ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ ( )
* قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُُواْ كِتَابِيهْ{19} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ﴾ ( )
الظنّ في اللغة شكّ ويقين، قال الزركشي:" أصله للاعتقاد الراجح كقوله تعالى : ﴿ إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ ( )، وفرّق بين المعنيين بضابطين أحدهما: أنّه حيث وُجِد الظن محموداً مثاباً عليه فهو اليقين، وحيث وُجِد مذموماً متوعَّداً عليه بالعقاب فهو الشك، والثاني: أنّ كلّ ظنّ يتّصل بعده أنْ الخفيفة فهو شكّ، نحو: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ، وكلّ ظنّ يتّصل بأنّ المشددة فهو يقين."( )
فـ " ظن " في الآيات المذكورة يقين، لكن يلاحظ أنّ اسم الفاعل جاء مضافاً في الآيات الثلاث الأولى، ومنوّناً في الآية الأخيرة، وتتّضح دلالة ذلك من خلال السياق، فالآية الأولى:﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ{45} الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾( ) جاءت في إطار استعراض القرآن الكريم قصّة بني إسرائيل بسورة البقرة، وتذكيرهم بنعم الله، ودعوتهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ( ) ولمّا كان من المعروف عن بني إسرائيل عدم الوفاء بالعهد وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول لهم محذراً: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾( )، ومن خلال هذه الآيات تأتي الدعوة ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ) كلّ هذا يتطلب الاستعانة بالصبر والصلاة، وإنّها لكبيرة إلا على الخاشعين الخاضعين لله، الشاعرين بخشيته وتقواه، الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين"( ) لذلك جاء اللفظ القرآني معبّراً عن تلك المعاني "ملاقو ربّهم" بالإضافة؛ لتزيد اليقين الذي بدأت به الآية قوّة وتعطيه ثباتاً واستمراريّة؛ لأنّ تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى تحتاج إلى يقين دائم من الخاشعين الذين يعلمون أنّهم محشورون إلى الله يوم القيامة وأنّهم إليه راجعون، فلهذا لما أيقنوا بالميعاد ولقاء ربهم والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.
والآية الثانية: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾( ) جاءت هذه الآيات في سياق تجربة في حياة بني إسرائيل من بعد موسى بعدما ضاع ملكهم إذ طلبوا إلى نبيهم أنْ يعيّن لهم ملكاً يقاتلون تحت إمرته في سبيل الله ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ ( ) وهي سمة بني إسرائيل كما ذُكر آنفاً في نقض العهد، ثمّ بعث الله لهم طالوت ملكاً يقاتلون تحت لوائه، فجادلوا في اختيار الله لهم، فجعل لهم نبيهم علامة من الله دلالة على صدق اختيار الله لطالوت، ثمّ إذا أعدّ طالوت جيشه أراد تصفية جنوده وتنقيتهم وابتلاءهم ﴿إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ فانفصل الجنود عنه لمّا شربوا وارتووا لضعفهم وخذلانهم، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، فهذه الابتلاءات والاختبارات العديدة أفرزت الفئة القليلة المؤمنة، وهذا كلّه يتطلّب الإيمان الكامل بلقاء الله والثبات والثّقة المستمدين من اليقين بهذا اللقاء؛ لذلك كان التعبير القرآني ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللّهِ﴾، فالظنّ معناه اليقين، وإضافة اسم الفاعل "ملاقو" تبرز ذلك الثبات وتلك الاستمرارية التي ظهرت عليها تلك الفئة عبر الابتلاءات المختلفة والمتعاقبة، " فهي تستمدّ قوتها كلّها من إذن الله، وتستمدّ يقينها كلّه من الثقة بالله، وهذه الفئة القليلة الصابرة الثابتة التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته مع ضعفها وقلتها هي التي تقرر مصير المعركة بعد أنْ تجدد عهدها مع الله."( )
والآية الثالثة: ﴿ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾( ) وقعت الآية السابقة في إطار قصّة سيدنا نوح، فلقد أرسل نذيراً إلى قومه برسالة هدفها ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ﴾( )، فآمن به الفقراء وكذّبه علية القوم المتكبّرون ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾( )، ولم يكتفِ المتكبّرون بوصف المؤمنين بـ (أراذل)، وإنّما طلبوا من نوح طردهم، فكان جواب نوح ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾( )؛ لأنّهم أتباع النبي؛ ولأنّهم آمنوا بالله؛ وكانت إجابته باسم الفاعل المضاف(طارد) ليدلّل على ثباته في ذلك الرأي واستمراريّته في ذلك؛ وأكّد ذلك بقوله: ﴿مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾( )، وعلّل إجابته بقوله: ﴿إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ﴾( ) "فيعاقب من طردهم، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت." ( )
فاستخدام الإضافة في التعبيرين ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾،و﴿إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ تدلّل على ثبات النبي وخوفه من الله وعذابه إنْ طرد المؤمنين، وإيمانه بلقائهم ربهم؛ ليجازيهم على إيمانهم ويجازي من طردهم.
أما الآية الرابعة: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ﴾( ) فقد جاء فيها اسم الفاعل "ملاقٍ" منوناً؛ ولذلك دلالته التي تفهم من خلال السياق، فهذه السورة تبدأ بـ "الحاقة" أي: الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، والتي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب، فيها بيان للمكذبين بها، وما حلّ بهم بسبب التكذيب، ويبرز فيها مشهد القيامة المروّع، ونهاية الكون الرهيبة، وانشقاق السماء، وما بعد ذلك من مشهد الحساب، فهي " سورة هائلة رهيبة قلّ أنْ يتلقّاها الحس إلا بهزة عميقة، وهي منذ افتتاحها إلى ختامها تقرع هذا الحس وتطالعه بالهول القاصم، والجدّ الصارم، والمشهد تلو المشهد، كلّه إيقاع ملح على الحسّ، بالهول آناً، وبالجلال آناً، وبالعذاب آناً، وبالحركة القويّة في كلّ آن."( )
كلّ ذلك يبيّن حالة المخلوقات في ذلك اليوم ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾( ) فالكلّ مكشوف، مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل، مكشوف المصير، وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرّى النفوس تعرّي الأجساد ...... ألا إنّه لأمر عصيب.( )
فإذا أخذ المؤمن كتابه بيمينه ملأت الفرحة جوانحه فيهتف ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُُواْ كِتَابِيهْ﴾، إنّه لم يكن يصدق أنّه ناجٍ، بل كان يتوقّع أنْ يناقش الحساب، و"من نوقش الحساب عُذِّب"( )، وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مطر الواسطي: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته فكلّما قرأ سيئة تغيّر لونه حتى يمرّ بحسناته فيقرؤها، فيرجع إلى لونه، ثمّ ينظر فإذا سيئاته قد بدّلت حسنات، قال فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُُوا كِتَابِيهْ﴾ ."( )
وروي عن عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ قال:" إنّ الله يوقف عبده يوم القيامة، فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا، فيقول: نعم أي رب! فيقول له: إنّي لم أفضحك به، وإنّي قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُُوا كِتَابِيهْ﴾."( )
وفي الصحيح من حديث ابن عمر حين سُئل عن النجوى، فقال: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: يدني الله العبد يوم القيامة فيقرّره بذنوبه كلّها، حتّى إذا رأى أنّه قد هلك، قال الله تعالى: إنّي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه."( )
فالمؤمن حين تعرض عليه أعماله يتيقّن أنّه هالك ومحاسَب؛ لشدّة ذلك اليوم ولما يراه من ذنوبه، فيقرؤها ويصفر وجهه، ويتغيّر لونه، ولكن هذا اليقين لا يستمر؛ لأنّه إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه "هذه سيئاتك قد غفرت لك" فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً؛ لذلك عبّر القرآن عن ذلك الموقف بقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ﴾ بتنوين اسم الفاعل، والذي يدل على عدم استمرار يقين العبد بلقائه الحساب والجزاء لما اكتسب من سيئات، فالعبد إذا رأى أنّه قد هلك، قال الله تعالى: إنّي سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم. 

" مُخرِج "

* قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{72} فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ( )
* قال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾( )
* قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾( )
ورد اسم الفاعل (مُخرِج) في الآيات الثلاث السابقة منوّناً في الأولى والثانية، ومضافاً في الثالثة، ودلالة ذلك تظهر في إطار السياق.
فالآية الأولى وردت في إطار قصّة البقرة( )، والحديث فيها موجّه لبني إسرائيل فقد أمرهم الله على لسان نبيه موسى أنْ يذبحوا بقرةً، وذلك أنّ رجلاً من بني إسرائيل قتله ابنُ أخيه ليرثه، وطرحه على باب مدينة، ثمّ جاء يطالب بديته، فأمرهم الله أنْ يذبحوا بقرةً، ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله. فذَبْحُ البقرةِ وسيلةٌ إلى إحيائه وإظهار الحق، فالآية: ﴿ وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ تعني أنّ الله يعلن ما كنتم تسرّونه من قتل القتيل الذي قتلتم ثمّ ادارأتم فيه بهذه الوسيلة، وهي ذَبْحُ بقرةٍ، وضربُ القتيلِ ببعضها.
فيلاحظ أنّ تنوين اسم الفاعل يدلّل على أنّ إخراج مكتوم بني إسرائيل بهذه الوسيلة حدثٌ طارئ غير مستمرّ في كلّ المواقف، وهي معجزة تكشف لهم عن قدرة الله التي لا يعرف البشر كيف تعمل.
والآية الثانية: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾( ) وردت في سورة التوبة، وهي سورة مدنية من أواخر ما نزل من القرآن، تضمّنت أحكاماً في العلاقات بين الأمّة المسلمة وسائر الأمم في الأرض، كما تضمّنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كلّ طائفة فيه، وكلّ طبقة من طبقاته. والمقطع الذي جاءت فيه الآية تحدّث عن المنافقين وفضحهم، ووصف أحوالهم النفسيّة والعمليّة، ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها و أثناءها وما تلاها.( )
أمّا عن أسباب نزول هذه الآية فقد وردت عدّة روايات منها( ) ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال:" بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك، وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: أيرجو هذا الرجل أنْ يفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- على ذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- احبسوا على هؤلاء الركب، فأتاهم، فقال: قلتم كذا قلتم كذا، قالوا: يا نبي الله إنّما نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون.
فتنوين اسم الفاعل (مخرجٌ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ يشير إلى أنّ الله سبحانه وتعالى سيفضح المنافقين بإنزال آيات فيهم تخبر الرسول والمؤمنين بمخازيهم وعوراتهم، وأنّ تلك الوسيلة ( إنزال السور والآيات أو إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم -عن طريق الوحي) في فضح المنافقين هو حادث طارئ لا يستمرّ؛ لذلك كانت تدعى هذه السورة فاضحة المنافقين، ففضحُ المنافقين بهذه الوسيلة يتّضح في بعض الحوادث دون بعض.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾( ) استعمل الله سبحانه وتعالى الفعل (يخرج) مع الحيّ لدلالته على التجدد والحركة الذي يناسب الحي، واستعمل اسم الفاعل المضاف (مخرج)؛ لأنّ أبرز صفات الميّت السكون، واسم الفاعل المضاف يدلّ على الثبوت.
ويختلف الأمر في آية سورة آل عمران ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾( ) فالفرق واضح بين السياقين، فسورة آل عمران كلّها حركة وتغيّرات وأحداث متجددة ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾( )، " فهذه الحركة الخفية المتداخلة، حركة إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحيّ من الميّت، وإخراج الميت من الحيّ، الحركة التي تدلّ على الله بلا شبهة ولا جدال......... فالحياة والموت يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج، كلّ لحظة تمرّ على الحيّ يدبّ فيه الموت إلى جانب الحياة، ويأكل منه الموت، وتبني فيه الحياة، خلايا حيّة منه تموت وتذهب، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل، وما ذهب منه ميّتاً يعود في دورة أخرى إلى الحياة، وما نشأ فيه حيّاً يعود في دورة أخرى إلى الموت، هذا في كيان الحيّ الواحد ثمّ تتّسع الدائرة، فيموت الحيّ كلّه، ولكن خلاياه تتحوّل إلى ذرات تدخل في تركيب آخر، ثمّ يدخل في جسم حيّ فتدب فيها الحياة ........ حركة في كيان الكون كلّه، وفي كيان كلّ حيّ كذلك حركة خفية عميقة لطيفة هائلة تبرزها هذه الإشارة القرآنيّة القصيرة." ( )

أمّا آية سورة الأنعام فأشارت إلى صفات الله تعالى بصيغة اسم الفاعل:﴿ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾،و﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ ﴾،و﴿جاعل الليل سكنا﴾ ) ) واسم الفاعل المضاف أفاد الاستمرار والثبات؛ لأنّ ( فالق) لم يقيّده الله تعالى بأحد أو بمنتفع فهو فالقُ الحب والنوى، وفالقُ الإصباح سواء كان هناك من ينتفع أو لم يكن " فزمن الوصف في الآية دائمٌ مستمرٌّ، يشمل الماضي والحال والمستقبل، ولكن هذا الدوام الزمنيّ ليس متّصلاً بغير انقطاع، وإنّما يتخلّله انقطاع يزول ثمّ يعود مرّة فأخرى، فحين يجعل الله الليل سكناً يكون الليل موجوداً، وحين لا يجعله سكناً يختفي، ثمّ يجعله مرّة أخرى، ثمّ يزيله ثمّ يعيده وهكذا دواليك، فالاستمرار موجود حقّاً "( )
وجاء في شرح التصريح بعد الآية سالفة الذكر: " أما إذا كان اسم الفاعل بمعنى الاستمرار في جميع الأزمنة ففي إضافته اعتباران أحدهما: أنّها محضة باعتبار معنى المضي فيه، وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة ولا يعمل، وثانيهما : أنّها غير محضّة باعتبار معنى الحال أو الاستقبال، وبهذا الاعتبار يقع صفة للنكرة ويعمل فيما أضيف إليه ."( ) فالأدوم هو فالق الحب والنوى، ومخرج الميت، وفالق الإصباح . 

( تابع)

• قال تعالى ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ( )
جاءت هذه الآية ضمن آيات حادث تحويل القبلة والملابسات التي أحاطت به، وكان هذا في المدينة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهراً من الهجرة، وهذه الفترة التي صلّى خلالها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- والمسلمون قِبَل بيت المقدس، ثمّ كان تحويل القبلة إلى الكعبة بيت الله الحرام.( )
والآية الكريمة ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ اشتملت على بنية أساسيّة(مبتدأ وخبر) ( أنت تابع قبلتهم ) جاء فيها اسم الفاعل المنوّن الذي يدلّ على عدم استمراريّة الرسول الكريم في اتّباع قبلة بيت المقدس بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهراً من اتباعها، والتعبير باسم الفاعل أدلّ من التعبير بالفعل؛ لأنّه نفي عن الذات صدور الاتباع وأنّ ذلك لا يصلح له ولا ينبغي له، بخلاف الفعل الذي قد يوحي بترك الإنسان للشيء وهو يحبّه، ثمّ أضيف النفي لتلك البنية الأساسيّة فقوّى عدم ثبوت نسبة المسند ( تابع ) للمسند إليه ( أنت )، وذلك بيان بعدم الاستمراريّة الذي فهم من تنوين اسم الفاعل ، ثمّ أدخل حرف الباء على المسند، فأفاد تقرير النفي بالجحد والإنكار، فالآية اشتملت على عناصر عدّة لإيضاح فكرة عدم الاستمراريّة "تنوين اسم الفاعل، ما النافية، الباء".

( حاضر)

• قال تعالى:﴿ وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾( )
تتحدّث الآية السابقة عن الحجّ والعمرة وشعائرهما وفيها ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا لم تحصروا، وتمكّنتم من أداء الشعائر، فمن أراد التمتّع بالعمرة إلى الحجّ فلينحر ما استيسر من الهدي، فإنْ لم يجد فهناك فدية هي صيام الأيام الثلاثة الأولى قبل الوقوف بعرفة، وسبعة أيام بعد عودته من الحج إلى بلده، ولما كان أهل الحرم المقيمون فيه لا عمرة لهم ـ وفي ذلك تيسير على أهل الأمصار من أنْ يحجّ أحدهم مرّة ويعتمر مرّة، فتجمع حجته وعمرته في سنة واحدة ـ إنّما هو الحجّ وحده، لم يكن لهم تمتع ولا إحلال بين العمرة والحجّ.( ) ومن ثمّ فليس عليهم فدية ولا صوم بطبيعة الحال؛ لذلك استعمل القرآن اسم الفاعل مضافاً ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ للتعبير عن الإقامة الدائمة والاستيطان والاستمرار، وأضاف لذلك لفظ الأهل الذي يشعر باشتراط الاستيطان.( )
( جامع )
* قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ( )
بدأت سورة آل عمران بقوله تعالى : ﴿ الم{1} اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{2} نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ{4}﴾
وذلك لمواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزّلة والوحي من الله، كانوا أولى الناس بأنْ يكونوا أوّل المصدّقين المسلمين، لو أنّ الأمر أمر اقتناع بحجّة ودليل. فهي تقرّر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل. فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، هو الذي نزّل هذا القرآن بالحقّ مصدّقاً لما بين يديه، كما أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل. ( )
وتتضمّن الآية التهديد للذين كفروا بآيات الله، وفي صدد التهديد بالعذاب يؤكّد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾ ( )
بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة، ويتبّعون النصوص التي تحتمل التأويل، ليصوغوا حولها الشبهات، ويصوّر سمات المؤمنين حقّاً وإيمانهم الخالص وتسليمهم في كلّ ما يأتيهم من عنده بلا جدال ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾( )
هؤلاء الراسخون في العلم أولو الألباب تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع أنْ يثبتهم على الحقّ، ولا يزيغ قلوبهم بعد الهدى وأنْ يسبغ عليهم رحمته وفضله، ويتذكّرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه، والميعاد الذي لا خلف له.
تلك الطمأنينة وذلك الثبات للراسخين في العلم جعلهم ينادون ربّهم بجملة خبريّة فيها من الثبات ما يناسب عقيدتهم المطمئنّة فجاءت الآية: ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ{9}﴾ مؤكّدة بـ " إنّ"، وأضيف اسم الفاعل "جامع" إلى "الناس" ليؤكّد ثبات الحدث "جَمْع الناس" مع دلالة الآية الزمنيّة على المستقبل، والتي كان من المفترض أنْ يأتي اسم الفاعل فيها منوّناً " جامعٌ "، إلا أنّ دلالة الآيات على ثبات الحدث يناسب إضافة اسم الفاعل وليس التنوين كما ذكر بعض المفسرين من أنّ الأصل "جامعٌ " بالتنوين فحذف استخفافاً( )، ثمّ أكّد الجملة بقوله:﴿ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾، الضمير المجرور للحكم، أي: لا ريب في هذا الحكم، وذلك لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة، وقوّة اليقين بأحوال الآخرة، ثمّ أعقب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكّدة أو لانتفاء الريب، وقيل: تأكيدٌ للحكم السابق."( )
(الكاظمين)

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{133} الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{134}﴾( )
يقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل، ويقال: كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه، ويقال: فلان لا يكظم على جِرَّتِه إذا كان لا يحتمل شيئاً، ومعنى قوله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ الذين يكفّون غيظهم عن الإمضاء، ويردّون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر.( )
والغيظ أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان لكن فرقان ما بينهما، فالغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنّه يظهر في الجوارح مع فعلٍ ما، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم.( ).
والغيظ يهيّج النفس البشريّة، والله لا يمنع الهياج في النفس؛ لأنّه انفعال طبيعي، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها الله لمنع أسبابها في التكوين الإنساني، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما قُتِل عمّه حمزة سيّد الشهداء، ومُثّل به، وأُخِذ بضع منه، وهو كبده، ولاكته هند بنت عتبة، وهذا أمرٌ أكثر من القتل، قال:" لئن أظْهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلَنّ بثلاثين رجلاً منهم، ولمّا وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا "( )، وهنا جاء كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في واحد من أحبّ البشر إليه في أكبر حادث أغضبه وينزل قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ ( )
ولأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بشر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بن عزيزة بختة
عضو شرف
عضو شرف


القيمة الأصلية

البلد:
الجزائر (سعيدة)

عدد المساهمات:
193

نقاط:
419

تاريخ التسجيل:
17/12/2012

الموقع:
dahmanis18@yahoo.com

المهنة:
طالبة ماستر


مُساهمةموضوع: رد: اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم   الإثنين 28 أكتوبر 2013 - 22:12

ولأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بشرٌ انفعل ثمّ كظم غيظه، فالانفعالات يريدها الله لأشياء سامية، فالإسلام لا يريد من المؤمن أن يُصَبَّ في قالب من حديد لا عواطف له، لا، هو سبحانه يريد للمؤمن أنْ ينفعل للأحداث أيضاً، لكن الانفعال المناسب للحدث، الانفعال السامي، الانفعال المثمر، ولا يأتي بالانفعال المدمّر لذلك يقول الحق: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ ( ) فالمؤمن ليس مطبوعاً على الشدّة ولا على الرحمة، ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان، فالغيظ يحتاج إليه المؤمن عندما يهيج دفاعاً عن منهج الله( )، ولقد وصفت السيّدة عائشة النبي صلّى الله عليه وسلم بأنّه كان لا يغضب لنفسه حتّى تنتهك حرمات الله فينتقم لله( )
وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عند ذلك: " إنّ هؤلاء من أمّتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت "( ) وجاء في روح المعاني للآلوسي " أنّ المراد أنّ الكاظمين في أمّتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبة الغيظ عليهم، وقد كانوا كثيراً في الأمم السالفة لقلة حميتهم، ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم قليلاً، ولمّا تمرّنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى، والتزموا الاجتناب عن المداهنة، صار إنفاذ الغيظ عادتهم، فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلّة الحمية، وهم الكثيرون في الأمم السالفة."( )
لكلّ هذه المعاني جاء اسم الفاعل "الكاظمين" عاملاً، وما بعده مفعول به؛ لنشعر معه أنّ كَظْم الغيظ ليس مراداً في كلّ الأحوال، وأنّ ثبات كظم الغيظ واستمراريّته ينافي البشريّة التي خلقنا الله عليها، وأنّ منهج الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن دين الله ومحاربة من ينتهك حرماته، يحتاج من المؤمن عدم الكظم مع حسن التدبير.








( مُتّخذ)

*قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( )
* وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( )
أكمل القرآن الكريم في الآيتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين من سورة النساء بيان المحرّمات من النساء " وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء"؛ لأنّهنّ في عصمة رجال آخرين، محصنات بالزواج منهم، فهن محرّمات على غير أزواجهنّ، ويستثنى من ذلك السبايا اللواتي كنّ يؤخذْن أسيرات في حروب الجهاد الإسلامي، وهنّ متزوجات في دار الكفر، حيث تنقطع علاقاتهنّ بأزواجهنّ الكفار بانقطاع الدار، ويصبحْن غير محصنات.
فإذا انتهى السياق من بيان المحرّمات أخذ في بيان المجال الذي يملك فيه الناس أنْ يلبّوا دوافع فطرتهم في التزاوج، ففيما وراء هذه المحرّمات المذكورة فالنكاح حلال، وللراغبين فيه أنْ يبتغوا النساء بأموالهم لأداء صداقهنّ.
فإذا كانت ظروف المسلم تحول بينه وبين الزواج من حرّة تحصنها الحرّية وتصونها، فقد رخّص له في الزواج من غير الحرّة، إذا هو لم يصبر حتّى يستطيع الزواج من حرّة. ويعيّن الصورة الوحيدة الّتي يرضاها للعلاقة بين الرجال الأحرار وغير الحرائر، وهي ذاتها الصورة التي رضيها من قبلُ في زواج الحرائر، فأوّلاً: يجب أنْ يكن مؤمنات ﴿ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وثانياً: يجب أنْ يعطين أجورهن فريضة لهنّ لا لسادتهنّ، فهذا حقهنّ الخالص ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وثالثاً: يجب أنْ تكون هذه الأجور في صورة صداق، وأنْ يكون الاستمتاع بهنّ في صورة نكاح لا مخادنة ولا سفاح( ).
والمسافِحة هي المجاهِرة بالزنى أي التي تكري نفسها لذلك، وذات الخدن هي التي تزني سرّاً بواحد، وقد حبست نفسها على الخليل أو الصديق للفجور سرّاً دون الإعلام بذلك( ). وكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنى، كذلك شرطها في الرجال كما جاء في آية سورة المائدة، وهو أنْ يكون الرجل محصناً عفيفاً، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردّون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهنّ( )، فهو منفرد ببغية واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة سرّاً.
تلك السرّيّة وذلك الحبس والاستتار يناسبه إضافة اسم الفاعل﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، ﴿ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ ليشعر معه القارئ بالثبات واستمراريّة المرأة مع المخادن الذي يقيم معها على معصية، وتقيم معه، فذات الخدن تختصّ بواحد لا تزني إلا معه، وكذلك المخادن، بخلاف المسافحات المعلنات اللائي لا يمنعنّ أحداً أرادهن بالفاحشة، وجاء بصيغة الجمع "أخدان" للمقابلة بالانقسام على معنى ألا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى ألا يكون لها أخدان.
والقرآن لم يكتفِ بالصورة الإيجابيّة المثبتة "محصنات"، وهي حال من مفعول "فانكحوهنّ"، و"محصنين" حال من فاعل "آتيتموهنّ" بل أردفها بنفي الصورة الأخرى "غير مسافحات"، و"غير مسافحين" زيادة في التوكيد والإيضاح، و "ولا متخذات أخدان" عطف على "مسافحات"، و "ولا متخذي أخدان" عطف على "مسافحين"، و" لا " لتأكيد ما في "غير" من معنى النفي، وذلك لكي يرسم صورة لطبيعة العلاقة الأولى التي يحبّها ويريدها، علاقة النكاح، وصورة لطبيعة العلاقة الأخرى التي يكرهها وينفيها علاقة المخادنة أو البغاء، وقد كانت هذه وتلك معترفاً بها من المجتمع.





(ظالمي)
قال تعالى: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً{95} دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً{96} إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً{97}﴾ ( )
إنّ موضوع الآيات الأساسي( )هو الهجرة إلى دار الإسلام، والحثّ على انضمام المسلمين المتخلّفين في دار الكفر والحرب إلى الصفّ المسلم المجاهد في سبيل الله بالنفس والمال، ولعلّ هذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً{95}﴾
فالنصّ القرآنيّ كان يواجه حالة خاصّة في المجتمع المسلم من التراخي من بعض عناصره في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس، وهو في ذلك يقرّر قاعدة عدم الاستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالأموال والأنفس، والآخرين الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم.
ثمّ يتحدّث القرآن عن هؤلاء القاعدين الذين يظلّون قاعدين في دار الكفر لا يهاجرون، تمسك بهم أموالهم ومصالحهم، أو يمسك بهم ضعفهم عن مواجهة متاعب الهجرة وآلام الطريق، حتّى يحين أجلهم وتأتي الملائكة لتتوفاهم ويعبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ بإضافة اسم الفاعل "ظالمي"، والذي نشعر معه باستمرار وإصرار القاعدين على ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة إلى أنْ تحين لحظة قبض الأرواح، فيكسبون أنفسهم غضب الله وسخطه، فتكون نهايتهم مخيفة ﴿ أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً{97}﴾.


















(محلّي – آمّين)

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ{1} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{2}﴾.( )

في الآيتين السابقتين ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان للإيفاء بالعقود. وتصدير السورة بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سترد بعده أحكام وعقود فيها ضوابط للحياة، حياة المرء مع نفسه وحياته مع غيره من الناس، ومن الأحياء والأشياء عامّة، وأولى هذه العقود التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها بعد تحليله لبهيمة الأنعام – إلاّ ما يتلى على المؤمنين تحريمه منها – هو تحريم الصيد في حالة الإحرام، فالإحرام للحجّ أو للعمرة تَجَرّدٌ عن أسباب الحياة العادية وأساليبها المألوفة، وتوجّهٌ إلى الله في بيته الحرام الذي جعله الله مثابة الأمان، ومن ثمّ ينبغي عنده الكفّ عن بسط الأكف إلى حي من الأحياء؛ لذلك عبّر القرآن عن ذلك العقد بقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ بإضافة اسم الفاعل الذي يشعر معه القارئ بضرورة الإبقاء والالتزام والاستمراريّة في تنفيذ تلك العقود مع الله سبحانه وتعالى، وذلك بتحريم الاصطياد عملاً واعتقاداً في حالة الإحرام، "فالعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه، والمراد بالعقود ما يعمّ جميع ما ألزمه الله تعالى عباده، وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينيّة، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به"( )؛ لذلك يربط القرآن ذلك العقد بالعقد الأكبر، ويذكّر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق ﴿ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أنْ يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم؛ لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان، وعلى السمع والطاعة لله، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم.
ثمّ يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{2}﴾
وأقرب ما يتّجه إليه الذهن في معنى شعائر الله في هذا المقام أنّها شعائر الحج والعمرة، وما تتضمّنه من محرّمات على المحرم للحجّ أو العمرة. والشهر الحرام يعنى الأشهر الحرم، والهدي هو الذبيحة التي ينحرها الحاجّ أو المعتمر في آخر أيام الحجّ أو العمرة، والقلائد هي الأنعام المقلّدة التي يقلدها أصحابها- أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله، ويطلقونها ترعى حتّى تنحر في موعد النذر ومكانه.
وكذلك حرّم الله قتال آمّين البيت الحرام أو صدّهم عنه بأي وجه، وهم الذين يقصدون البيت الحرام لزيارته يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
و"آمّين" جمع آمّ اسم فاعل عامل، و"البيت" مفعول به. وزيارة بيت الله الحرام للحجّ أو للعمرة إنّما هي لمن استطاع إليه سبيلا، وقاصدوه يبتغون فضلاً من ربّهم في أيام معدودات يقيمون فيها شعائر الحجّ أو العمرة، بعدها يتحلّل المُحرم من إحرامه، وذلك المعنى ناسبه اسم الفاعل العامل "آمّين البيت" ليعطينا معاني الزيارة والقصد، وينأى بنا عن معاني السكن والاستيطان.


















(خالق)

*قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ{71} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{72} فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{73} إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ{74}﴾ ( )
*قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ{29} فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{30} إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾( )
ذكر الله سبحانه في هذه الآيات بدء خلق الإنسان، وأمره الملائكة وإبليس أن يسجدوا له، وسجودهم وإباء إبليس.
والمراد بالبشر في الآيات آدم -عليه السلام- لأنّه أصل النوع الإنساني، وأوّل فرد من أفراده .
والذي يتدبّر القرآن يرى أنّ الله تعالى قد وضّح في آيات متعدّدة أطوار خلق آدم -عليه السلام- فقد بيّن في بعض الآيات أنّه خلقه من تراب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{59}﴾ ( )
وبيّن في آيات أخرى أنّه- سبحانه- خلقه من طين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ{7}﴾ ( )

وقوله تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ﴾ ( )
وبيّن سبحانه في سورة الحجر خلقه : ﴿مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{28}﴾
ويتّضح من ذلك أنّ أوّل ابتداء آدم- عليه السلام- كان تراباً متفرّقَ الأجزاءِ، ثم بُلّ -أي التراب- فصار طيناً، ثمّ ترك حتّى أنتن وأسود، فصار حمأ مسنوناً، ثمّ يبس فصار صلصالاً، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرّج الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام.( )
ويقول الله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14}﴾
فهذه الآيات تشير إلى أطوار نشأة الإنسان الأولى من سلالة من طين، أمّا نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك، وتكرار أفراده وتكاثرهم فقد جرت سنّة الله أنْ يكون عن طريق نقطة مائيّة تخرج من صلب الرجل، فتستقرّ في رحم امرأة، ثمّ بعد ذلك تتحوّل النطفة إلى العلقة، ومنها إلى المضغة، ثمّ تجيء مرحلة العظام، فمرحلة كسوة العظام باللحم ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾
يتّضح مما سبق أنّ خلق الإنسان من سلالة من طين خاصّ بآدم عليه السلام، وأنّه حدثٌ انقطع، ولم يتكرر بعد تلك النشأة؛ لذلك عبّر القرآن باسم الفاعل العامل: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ﴾ و: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ لنشعر معه أنّ التنوين مقصودٌ ليعطينا معاني الانقطاع وعدم استمراريّة خلق البشر من سلالة من طين، وأنّ الأمر متعلّق بآدم عليه السلام وحده، وأمّا سلالته فتأخذ طوراً آخر في النشأة كما قلنا سالفاً.
فإذا تحدّث القرآن عن خلق أشياء فيها معاني الاستمراريّة جاء باسم الفاعل مضافاً قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{102}﴾ ( ) و قال تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{16}﴾ ( ) و قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{62}﴾ ( ) وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ{62}﴾ ( )











(تارك – ضائق )
قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{12}﴾ ( )
قال الفخر الرازي رحمه الله: "روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رؤساء مكّة قالوا يا محمّد: اجعل لنا جبال مكة ذهباً إنْ كنت رسولاً، وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك، فقال: لا أقدر على ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال ابن عباس في المراد بقوله: ﴿ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا؛ حتّى نتبعك ونؤمن بك."( )
والمعنى كما ذكر المفسّرون:" فلعلّك يا محمّد تارك بعض ما يوحى إليك من الآيات الدالة على حقيقة نبوتك ، المنادية بكونها من عند الله تعالى لمن له أُذن واعية وقلب رشيد، ولعلّك يضيق صدرك بتلاوته عليهم وتبليغه إياهم أثناء المحاجّة والدعوة إلى الإيمان، بسبب معارضتهم الشديدة لك، وإصرارهم على رفض ما جئتهم به من التوحيد والوعد والوعيد، وبسبب قولهم: هلاّ أعطي مالاً كثيراً كما يعطى الملوك والعظماء، ليكون ذلك أمارة على أنّ ربّه يشدّ أزره ولا يدعه فقيراً بين الناس ، وهلاّ جاء معه ملك يؤيّده ويشهد له بالنبوة ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ولا تترك تبليغهم شيئاً مما أوحي إليك، ولا يضيق صدرك بما يقولون."( )
ولفظ "لعلّ" - كما يقول الآلوسي- للترجّي، وهو يقتضي التوقّع، ولا يلزم من توقّع الشيء وقوعه، ولا ترجّح وقوعه، لجواز أنْ يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل بأنّ توقّع ترك التبليغ منه- صلّى الله عليه وسلّم- مما لا يليق بمقام النبوة؛ لأنّ المانع منه هنا ثبوت عصمته- صلى الله عليه وسلم- عن كتم شيء أُمر بتبليغه...... والمقصود بهذا الأسلوب تحريضه - صلّى الله عليه وسلّم -، وتهييج داعيته لأداء الرسالة.( )
ولقد عبّر القرآن عن المُتوقَّع من النفس البشريّة من ترْك التبليغ وضيق الصدر إزاء هذا الجهل من الكافرين بصيغة اسم الفاعل المنوّن "تاركٌ"، "ضائقٌ"؛ ليدلّل على أنّ ما أصاب الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- أمرٌ عارضٌ غير ثابت، لا استمراريّة فيه، ولا دلالة فيهما على تمكّن الوصف منه- صلّى الله عليه وسلّم- فتنوين اسم الفاعل يعني أنّ الموصوف به لن يظلّ محتفظاً بهذه الصفة لتكون لازمة له، ولكنّها تعبّر عن مرحلة من المراحل من فرط ما قابله الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- من إنكار، وما طالبوا به من أشياء تخرج عن نطاق إنسانيته، لذلك ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله : ﴿ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ فواجب الرسول صلى الله عليه وسلم كلّه أنْ ينذرهم ﴿ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ فهو الموكل بهم، يصرفهم كيف يشاء وفق سنته، ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون، ولست أنت موكلاً بكفرهم أو إيمانهم إنّما أنت نذير
فإذا ما تعلق المعنى بأمرٍ فيه ثبات، واستقرار، واستمراريّة، عدل الأسلوب القرآني عن التنوين إلى الإضافة قال تعالى : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ{50} يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{51} وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ{52} قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ{53} إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{54}﴾ ( )
تتناول الآيات السابقة قصّة هود- عليه السلام- مع قومه وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسله الله إليهم لهدايتهم، ووصفه سبحانه بأنّه "أخاهم"، وناداهم:"يا قوم" ثلاث مرّات زيادة في التلطّف معهم، استجلاباً لقلوبهم، وترضية لنفوسهم، وأمرهم بعبادة الله وحده، وأنّه لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً في مقابل دعوته إياهم إلى الحقّ، ثمّ أرشدهم إلى ما يؤدّي إلى زيادة غناهم وقوتهم، وحذَّرهم من سوء العاقبة، لكن قوم هود -عليه السلام- قابلوا كلّ ذلك بالتطاول عليه والسخرية منه، فقالوا: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾، أي بحجّة تدلّ على صدقك، فأوضحوا لكلّ ذي لبّ أنّهم مكابرون، كما كان العرب يقولون للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- بعد أنْ أتاهم من الآيات على يده ما يفوق الحصر: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾( )، وأجابوا عن دعوته إياهم إلى رفض الشركاء بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾، ثمّ أكّدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فآيسوه في كلتا المسألتين ثمّ أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافاً به وبما يدعو إليه فقالوا: ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾
وهكذا نراهم سلكوا في عنادهم سبيل التدرّج والتسلسل، فنفوا مجيئه ببينة ثمّ نفوا تركهم لآلهتهم لمجرد قوله لهم ( اتركوها) دون أنْ يقنعهم بحجّة تقتضي تركهم لها، ثمّ نفوا تصديقهم له ؛ لأنّه لا حجّة لديه تثبت نبوته ، ثمّ بعد هذا الهذيان كلّه قالوا فيه ما قالوه من السباب مما يدلّ على توغلهم في الطغيان، وبلوغهم النهاية في العناد، والكفر، والجحود.( )
لذلك جاء الأسلوب اللّغوي موافقاً لتلك المعاني فأضاف اسم الفاعل ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾؛ لنشعر معه بإصرارهم، وعنادهم، وكفرهم بما جاء به الرسول الكريم، يقول الآلوسي:" قد بالغوا في الإباء عن الإجابة، فأنكروا الدليل على نبوته عليه السلام، ثمّ قالوا مؤكّدين لذلك:﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾، ثمّ كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الاسميّة مع زيادة الباء وتقديم المسند إليه، دلالة على أنّهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه، وفي ذلك من الدلالة على الإقناطـ ما فيه."( )
ويقول الزمخشري: " وقد دلت ردودهم المتقدّمة على أنّ القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد لا يبالون بالبَهْت، ولا يلتفتون إلى النّصح، ولا تلين شكيمتهم للرّشد."( )






ذائقة
قال تعالى : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ{34} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ{35}﴾ ))

قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية:" فأمّا قوله تعالى : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: قال مقاتل: إنّ أناساً كانوا يقولون: إنّ محمّداً -صلّى الله عليه وسلّم- لا يموت، فنزلت هذه الآية، وثانيها: كانوا يقدّرون أنّه سيموت فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا، أي قضى الله تعالى أنْ لا يخلِّد في الدنيا بشراً، فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت، أفإن متّ أنت أيبقى هؤلاء؟ لا، وثالثها: يحتمل أنّه لما ظهر أنّه -عليه السلام- خاتم الأنبياء جاز أنّ يقدّر مقدّر أنّه لا يموت، إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أنّ حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت." ( ) فـ "كلّ نفس ذائقة الموت" هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة، وهذه السّنّة التي ليس لها استثناء.

فالآية تقرير وتثبيت لمضمون قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ ( ) فكلّ نفس أوجدها الله تعالى في هذه الحياة ستذوق مرارة نزول الموت بها، ومفارقة روحها لجسدها.

لهذه المعاني جاء اسم الفاعل " ذائقة " مضافاً لما بعده، ليؤكّد ويقرّر ثبات تلك الحقيقة، حقيقة الموت، فهو نهاية كلّ حي، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض، بالرغم من أنّ المعنى لما يستقبل، أي: كلّ نفس ستذوق الموت، وهذا كان يقتضي تنوين اسم الفاعل كما قال النحاة، إلا أنّ القرآن الكريم وأسلوبه اللّغوي الدقيق أراد أنْ يفرّغ اللفظ من زمن محدد، ليجعل الموت حقيقة ثابتة دائمة لكلّ نفس.


















الخاتمة
تناولت هذه الدراسة اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم، ووضح فيها أنّ النحاة يعمِلون اسم الفاعل فيما بعده إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، فإذا خرج الزمن إلى الماضي جعل اسم الفاعل بلا تنوين، مضافاً، لا يعمل في رأي جمهور النحاة، وبمراجعة اسم الفاعل داخل السياق القرآني وضح اضطراب قواعد النحاة حيث أضيف اسم الفاعل إلى معموله مع دلالته على الاستقبال كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾( )و﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾( ) و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ )) وقد ذكر سيبويه وغيره أنّ العرب تفعل ذلك استخفافاً دون أنْ يتغيّر المعنى ، وقد جاء اسم الفاعل منوّنا مع دلالته على الماضي، كقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ ( )
وبقراءة تلك الآيات وغيرها وضح أنّ القرآن الكريم عمد إلى الإضافة في تلك الآيات وما شابهها ، وإلى التنوين في الآيات التي اشتملت على اسم الفاعل منوّناً، وكان لذلك دلالات مرتبطة بالسياق حيث جاءت الإضافة في مواضع تحتاج إلى ثبات واستمراريّة واستقرار ويقين ، وجاء التنوين في مواضع تشير إلى انقطاع الحدث وعدم تكراره وافتقاده إلى الثبات والاستمراريّة، ومن نماذج ذلك:

*قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ{71} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{72} فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{73} إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ{74}﴾ ( )
*وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾ ( )
قد ذكر الله سبحانه في هذه الآيات بدء خلق الإنسان، آدم -عليه السلام- من سلالة من طين، وهو أمرٌ خاصّ بآدم عليه السلام، فهو حدثٌ انقطع، ولم يتكرر بعد تلك النشأة؛ لذلك عبّر القرآن باسم الفاعل العامل: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ﴾ و:﴿ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ لنشعر معه أنّ التنوين مقصود ليعطينا معاني الانقطاع وعدم استمراريّة خلق البشر من سلالة من طين، وأنّ الأمر متعلّق بآدم عليه السلام وحده، وأمّا سلالته فتأخذ طوراً آخر في النشأة.
فإذا تحدّث القرآن عن خلق أشياء فيها معاني الاستمراريّة جاء باسم الفاعل مضافاً قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{102}﴾ ( ) وقال تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{16}﴾ ( )
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلّت وإليه أنيب

المصادر والمراجع
- الإتقان في علوم القرآن : السيوطي ،مصطفى البابي، القاهرة، ط3، 1370هـ.
- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم( تفسير أبي السعود):وضع حواشيه: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 1419هـ ، 1999م.
- الأصول: دراسة أبستمولوجية للفكر العربي عند العرب، د. تمّام حسان، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ، 1982م.
- إعراب القرآن : أبو جعفر النحاس، تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب والنهضة العربيّة، بيروت، ط2، 1985.
- الإنصاف في مسائل الخلاف: أبو البركات الأنباري، تحقيق: محمّد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصريّة، بيروت، 1414هـ، 1993م.
- البحر المحيط: أبو حيان، دار الفكر، ط2، 1403هـ، 1983م.
- البرهان في علوم القرآن: الزركشي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت،1408هـ، 1988م.
- التحرير والتنوير لابن عاشور،د.ق، دار سحنون للنشر، تونس، د.ت.
- تفسير ابن كثير:صُحّح بإشراف الشيخ خليل الميس، دار القلم، بيروت،ط2،د.ت.
- تفسير الجلالين: السيوطي، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت.
- تفسير الرازي: فخر الدين الرازي، د.ق، دار الفكر، بيروت، ط3، 1405هـ، 1985م.
- تفسير الشعراوي: طبعة دار أخبار اليوم، د.ت.
- التفسير الوسيط للقرآن الكريم: تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلاميّة بالأزهر، ط1، 1400هـ - 1980م.
- الجامع لأحكام القرآن( تفسير القرطبي): القرطبي، دار الكتب العلميّة، ط1، 1408هـ.
- حجّة القراءات: ابن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسّسة الرسالة،ط5، 1418هـ، 1997م.
- روح المعاني: الآلوسي، تحقيق: أبو عبد الرحمن فؤاد بن سراج عبد الغفار، المكتبة التوفيقيّة، القاهرة،د.ت.
- الروض الأُنف والمشرع الرّوى في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة واحتوى لابن هشام: أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن الخثعمي، دار الفكر، بيروت، 1409هـ، 1989م.
- الزمن واللغة: د. مالك المطلبي، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1986م.
- شرح التصريح على التوضيح: خالد الأزهري، الحلبي، القاهرة،د.ت.
- شرح السيرافي لكتاب سيبويه: أبو سعيد السيرافي، الجزء الرابع، تحقيق: د. محمد هاشم عبد الدايم، دار الكتب المصرية، 1998م.
- شرح اللمع: ابن بَرْهان العكبري، تحقيق: د. فائز فارس، السلسلة التراثية(11) الكويت، ط1، 1404هـ، 1984م.
- شرح المفصل: ابن يعيش، تحقيق: د. إميل يعقوب، دار الكتب العلميّة بيروت، 2001م.
- صحيح البخاري: مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1377هـ.
- الفعل زمانه وأبنيته: د.إبراهيم السامرائي، مؤسّسة الرسالة،بيروت، ط4، 1406هـ، 1986م.
- في ظلال القرآن: سيّد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1410هـ، 1990م.
- القصّة في القرآن: محمّد قطب، دار قباء، القاهرة، 2001م.
- قطر الندى وبل الصدى: ابن هشام، الهيئة العامّة لشئون المطابع الأميريّة، 1416هـ، 1995م.
- الكتاب: سيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، الهيئة المصريّة للكتاب،1977م.
- كتاب السبعة في القراءات: ابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، ط3، د.ت.
- كتاب المقتصد في شرح الإيضاح: الجرجاني، تحقيق: كاظم بحر المرجان، دار الرشيد، العراق،1982م.
- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشري، شرح وضبط: يوسف الحمادي، مكتبة مصر، الفجالة،د.ت.
- لسان العرب: ابن منظور، د.ق، دار صادر، بيروت، 2000م.
- اللغة العربيّة معناها ومبناها: د. تمّام حسان، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1979م.
- مختصر سيرة ابن هشام : اختصرها وعلق عليها السادة العلماء أعضاء لجنة السيرة النبوية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلاميّة، المجلس الأعلى للشئون الإسلاميّة، القاهرة ، ط2، 1418هـ، 1997م.
- معاني القرآن وإعرابه: الزجاج، تحقيق: د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتاب، بيروت، ط1، 1408هـ، 1988م.
- النحو الوافي: عباس حسن، دار المعارف ، القاهرة،د.ت.
- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: السيوطي، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلميّة،بيروت،ط1، 1418هـ، 1988م
شكرا لك  دحماني بختةشكرا لك 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

اسم الفاعل بين التنوين والإضافة في القرآن الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  :: -
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Furl  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
د وليد بدوى
 
ميعاد2
 


فانضموا إليها

Computer Hope
Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
تاريخ العربي محمود الخطاب الفلسفة نظرية الكريم تحليل العرب الشعر النحو الحجاج النقد العربية الدلالة القران القرآن اللغة اللسانيات رسالة تحميل كتاب التداولية رسائل ديوان الادب


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | منتدى مجاني | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | الحصول على مدونة مجانية