وعن تلك الفترة في حياة رفيق يناقش الدكتور (محمد دغيم ) صمت رفيق عن الشعر الوطني وانصرافه إلى الانشعال " في شعره بموضوعات عامة تتصل بالوصف والغزل والرثاء ،ولا يذكر ما فيه الوطن من بؤس وذل وتنكيل إلا تلميحاً في ثنايا قصائده"(1) ولم ينتبه إلى أن رفيقاً كان في تلك الفترة منصرفاً إلى كتابة المقالة، والشعر الوجداني فيما يشبه استراحة المقاتل، وهي جزء من الحياة الفكرية والأدبية على كل حال، وقد اعترى الوطن كله وجوم كاسر بعد استشهاد عمر المختار، فصرف رفيق جهده إلى نمط آخر من المقاومة غير المصادمة فطفق يكتب مقالات تتعلق بالأدب، والنقد، وأشرف على صفحة يرد منها على استفسارات القراء في ليبيا المصورة(2) ،ولم ينقطع عن كتابة المقالات حتى بعد هجرته الأخيرة، فظل يكتب من مهجره مواصلاً دوره في التثقيف والتعبئة بما يناسب المرحلة التي تلت المقاومة المسلحة .
وفي هذا الإطار يقول الدكتور وهبي البوري:" نشرت أول قصة قي مجلة ليبيا المصورة، وكان أحمد رفيق هو الذي شجعني على نشرها، وهو الذي شجعني على مواصلة الكتابة، وأنا اعتبره أستاذاً أو مدرسة للشباب الذين عشقوا الأدب والفكر في ذلك الوقت والذين كانت الظروف السياسية المحيطة بهم لا تتيح لهم فرص كثيرة لأن ينموا مواهبهم فكانت هذه المدرسة مدرسة أحمد رفيق هي التي يأتي إليها الشباب ويتعلمون فيها دروساً في الشعر والأدب والوطنية "(3)
أما ما ذهب إليه الدكتور محمد دغيم من أن رفيقا سياسي أكثر منه شاعراً فأحسبه من الغلو بمكان، إذ لو كان كذلك لأرغ مكنوناته في المقالة وهي وسيلة تناسب السياسيين أكثر من غيرها من فنون الأدب التي أبعدها الشعر بطبيعته، لتجافيه عن الجدل والمنطق وما يلزم السياسي من أدوات، ولافتقار رفيق إلى مكونات شخصية السياسي كما قرر ذلك الدكتور دغيم نفسه عندما قال:" وفي هذه الفترة أيضاً يقرر رفيق ترشيح نفسه للانتخابات للمجلس النيابي لبرقة سنة 1950م ليقوم بدوره كسياسي رغم ما يعرفه الناس عنه من ضيق بالمناقشات وعزوف عن الجدل وغياب عن الاحتفالات العامة"(4)
وهذا معيار صدق تؤيده قلة مشاركته في المقالة السياسية، وهذا القليل جاء مشاركة في المعارك الأدبية ذات المنشأ السياسي، وفيها شاهد لا يمارى على ضيق صدره، ونفاد صبره(5).
بيد أن أبرز ميدان في مقالة رفيق كان النقد الأدبي، فقد عمل على وضع أسس للحركة النقدية في ليبيا، بأن دعا إلى تشجيع الناشئة على تجديد كتاباتهم، وإتاحة فرص النشر لهم دون التعرض لأعمالهم بالنقد الهادم، الذي يحبط العزائم ويصرف الهمم(6)
وهو لا يعد نفسه ناقداً، ويكرر هذا في أكثر من مناسبة، ويبرر كتاباته النقدية بأنها من باب استثارة غيره ليرد عليه أة يكتب في نفس الموضوعات، وهذا معناه أنه يدعو إلى خلق حركة نقدية لتواكب بوادر النهضة الأدبية، التي يسعى إليها أرباب القلم في ليبيا بشتى الطرق، ولعله بلور هذا المفهوم في قوله عن ديوان مصطفى زكري :" وسأكتب عن الديوان ما أوحته إلى مطالعته من الآراء في نواحي(7) مختلفة زاجياً ممن يرى خلاف رأي أن يعرض هو أيضاً رأيه حتى يستفيد القراء من مطالعة الرأيين إذ لا يخلو بسط رأي من فائدة جديدة يجهلها أحد الطرفين، وبذلك نكون قد فتحنا باب النقد المشجع الذي يلزم نهضتنا الأدبية أكثر من النقد المر الذي يفل من عزم شبابنا الناشئين، ويقل من نشاطهم."(8 )
ولم يتوقف رفيق عند الدعوة النظرية، بل قرن ذلك بالفعل، فطفق يكتب مقالات مارس فيها النقد والتوجيه، وحفز همم غيره ليواكبوا الحركة النقدية في البلاد، فكتب مقالة هاجم فيها الذين يقلدون ( جبران) في أسلوبه، وسخر منهم وسماهم ( المتجبرنون) فخاطبهم قائلاً:" أقصد بهذا العنوان الذين يقلدون أسلوب جبران في الكتابة، وهم عندنا كثيرون، وجلهم من ناشئة الكتاب الذين لم ينضجوا، وبكلمة أوضح الذين مازالوا في دور التقليد، ولما يتخذوا لأنفسهم أسلوباً معيناً لقد فكرت كثيراً: ما سبب تقليد شبابنا لأسلوب جبران فلم أهتد للسبب، ولقد سألت نفسي كثيراً ما الذي حبب إليهم أسلوب جبران حتى صاروا يقلدونه في رسالتهم الخصوصية بصورة مضحكة مبكية لتقصيرهم في التقليد نفسه مع أنهم لو أجادوا التقليد – ما أجادوه – لدرجة أنهم تقمصوا روح جبران ما كانوا ليشكروا على ذلك، لأن التقليد مهما بلغ لن يبلغ قيمة الأصل، ولأن أسلوب جبران لا يستحق جبران نفسه الشكر عليه فكيف يرجو مقلده الشكر وإن أجاد؟ "(9)
وفي هذه المقالة يتبوأ رفيق مكان الناقد فيتكلم من عل قائلاً:
" هذا رأيي في أسلوب جبران وسأوضحه لمقلديه فإن وجدوني قريباً من المنطق والعقل أرجو أن (يفكونا) (*) من التجبرن وإن كنت في نظرهم بعيداً عن الحق – ولا اخالني كذلك- فلا يتهمونني بالتحامل على جبران فإني أقدر لجبران قدره أكثر منهم من جهات أخرى لا يعرفونها".
وتتجلى شخصية رفيق الناقد في طريقة تحليله لأسلوب جبران، فهو ذو عقل تحليلي لا يبني أحكامه على الذوق وحده، ولكنه يحاول أن يصل إلى تبريرات عقلية ،ولعل هذا ما حدا بأحد الباحثين أن يقول عنه :" عقل رفيق عقل تحليلي إذا قيس بحافظ إبراهيم الذي يقارن به بين حين وحين،ولا شك أن رفيقاً كان يستطيع أن يكون كاتب مقال جيد لو فرغ له، فلديه أسلحة كثيرة من أسلحة المقال الحديث "(10)
__________________________________
( 1) د.محمد دغيم، نظرات في شعر رفيق السياسي، دراسة ضمنت كتاب مهرجان رفيق الأدبي، ص 105 (م.سابق).
( 2)انظر: ليبيا المصورة، السنة1، العدد 9، يونيو 1936.
( 3)مجلة الفصول الأربعة، العدد 8، 1996" تجربتي القصصية " بقلم د. وهبي البوري.
( 4)انظر: د.محمد دغيم، مهرجان رفيق الأدبي ص 118 (م.سابق).
( 5)انظر:ديوان رفيق الفترتان الأولى والثانية ص 60
( 6)انظر: فصل الشعر في ميزان المقالة من هذه الدراسة.
( 7)الصواب : نواح
(8 )ليبيا المصورة، السنة 3، العدد 3، ديسمبر 1937 " ديوان ابن زكري "
( 9)ليبيا المصورة، السنة2، العدد 10، يوليو 1937 " المتجبرنون".
(*)كلمة عامية تعني :" أن ينصرفوا عن كذا ".
(10 )د. مصطفى ناصف ،الثقافة العربية الحديثة ولغة رفيق ،ص 221 مهرجان رفيق الأدبي (م.سابق).