المحاضرة الثالثــة: اللسانيات التطبيقية ومفهوم العلم
يستعمل مصطلح العلم للدلالة على مجموعة الإجراءات والأساليب التي يعتمد عليها الباحث لدراسة ظاهرة معينة، وتنقسم هذه الإجراءات إلى قسمين : قسم حسي وقسم عقلي:
1 ـ الجانب الحسي : تتمثل الإجراءات الحسية فيما يقوم به الباحث من ملاحظات مباشرة عند دراسته لظاهرة ما، أو تتمثل في تلك التجارب التي يقوم بها للتأكد من صحة الفروض التي أقامها بناء مع هذه الملاحظات أو التجارب .
2 ـ الجانب العقلي : أما الإجراءات العقلية فتتمثل في تلك القواعد والقوانين التي يستنبطها الباحث من التجارب والملاحظات التي أجراها عند دراسته لظاهرة ما ويشترط في هذه القوانين والقواعد أن تكون عامة تحكم الظاهرة المدروسة، وتفسر لنا حقيقتها وتبين لنا ما يرتبط بها، أو ما يتفرع عنها من ظواهر أخرى . ويتميز الجانب العقلي بصيغتين أساسيتين هما : التجريد والتعميم والتجريد كما هو واضح من المعنى المباشر للكلمة هو خلع الصفات الجزئية والفردية التي تتسم بها الظواهر والأشياء.
ولتوضيح ذلك نأتي بهذا المثال :
إفترض أن لدي سيارة فإنّه لابدّ أن يكون لهذه السيارة صفات وعلامات خصوصية أستطيع من خلالها أن أميزها عن سائر السيارات الأخرى لكن على الرغم من هذه العلامات الخصوصية التي تنفرد بها هناك جانب عام تشترك فيه مع جميع السيارات ولولا هذا الجانب المشترك لما صح أن نطلق عليها اسم واحد وهو ( السيارة )، فإذا توصلنا إلى الدرجة التي تُمكننا من إطلاق هذا الاسم العام، رغم العلامات والصفات الخصوصية التي تميزها عن غيرها فلابد حينئذ أن نكون قد طرحنا بعقولنا عددًا كبيرا من صفاتها الخاصة، أو صفاتها الجزئية التي كانت تتميز بها ( كصفات اللون والحجم، والسرعة، عدد الأبواب ، القوة، عدد المقاعد إلخ ) وركزنا على المهمة أو الوظيفة التي تؤديها السيارة وهي المهمة التي تشترك فيها جميع السيارات وهي ( النقل ) .
هذا هو مفهوم التجريد والتعميم الذي هو شرط أساسي في ميدان البحث العلمي ذلك لأن المعرفة الجزئية وحدها لا تسمى علما وذلك بسبب افتقارها إلى القوانين العامة التي تشملها، وتشمل غيرها من بنات جنسها .
ففي مجال اللغة مثلا قد ندرس خصائص لغة ما كالخصائص التي تتميز بها اللغة العربية ولكن لا يمكن أن تسمى هذه الدراسة علمًا في اللسانيات ، أو في ميدان علمي آخر؛ لأن العلم يجرد الظواهر من خصائصها الفردية ليصل إلى فكرة عامة تشملها جميعًا . وذلك كالبحث عن القوانين العامة التي يشترك فيها النظام الصوتي، أو الدلالي أو التركيبي في كل اللغات.
نستنتج من ذلك أن الدراسة العلمية للغة ليست هي المعرفة بالخصائص والمميزات التي تتميز بها كل لغة وإنما هي دراسة اللغة كظاهرة مشتركة بين جميع أبناء البشر.
وبناء على ما تقدم نصل إلى أن الهدف من الدراسة العلمية للغة هو وضع القوانين العامة التي يمكن تطبيقها على جميع اللغات بدون استثناء بغض النظر عن خصوصياتها الفرعية التي تميزها عن غيرها.
فالدراسة العلمية للغة هي دراسة وصفية وهي لا (( لا تسعى مثلا إلى أهداف عملية، أو تطبيقية مثل تعليم اللغة أو تطويرها أو تعديل جوانب منها، أو تحليل الأخطاء التي يقع فيها المتكلم أو الكاتب، أو غير ذلك من أهداف تربوية أو عملية أو معيارية ، وإنما هي ... كما قال دي سوسير : (( دراسة اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها )) .
فهذه الصفة التي يتميز بها العلم بوجه عام وعلم اللسانيات بوجه خاص لا تنطبق على ما يسمى باللسانيات التطبيقية لافتقادها إلى المعايير السالفة الذكر .
ويضاف إلى ذلك أن الدراسة العلمية للغة غالبا ما تنتهي إلى وضع نظرية تتعلق باللغة كظاهرة عامة ( كالنظرية التوليدية التحويلية )، و(النظرية التوزيعية) وغيرها، لأن مثل هذه النظريات تتسم بالعموم والتجريد، وأن النتائج التي توصلت إليها لا تخص لغة بعينها وإنما تشمل جميع لغات البشر.
أما فيما يتعلق بالاختلاف الموجود بين هذه النظريات فيرجع إلى اختلاف وجهات نظر أصحابها.
أما علم اللغة التطبيقي أو اللسانيات التطبيقية فليست كذلك إذ ليس له نظرية يمكن تطبيقها على جميع اللغات، وأنّ هذا العلم لا يسعى إلى دراسة اللغة في ذاتها مثلهُ في ذلك مثل العلوم التطبيقية الأخرى التي تسعى إلى أهداف خارجة عن الحدود الحقيقية للعلوم، مما جعل بعض علماء اللغة يرفضون انتماء هذا العلم إلى مجال علم اللغة ، بل هناك منهم من يسخر من اعتباره علمًا ويراه بعضهم ميدانا غائما وغير دقيق وفي مقابل ذلك يرى بعض العلماء ، أن علم اللغة التطبيقي منهج ينبع من داخله .
غير أن الاتجاه الغالب هو الذي يرى بأن اللسانيات التطبيقية هي بمثابة الجسر الذي يربط جميع العلوم التي تعالج النشاط اللغوي الإنساني مثل علوم اللغة والنفس والاجتماع والتربية، ومعنى ذلك أن هذا العلم يستند في حقيقة الأمر إلى الأسس العلمية لهذه العلوم .
نستنتج من ذلك أننا أمام علم متشعب له فروع كثيرة نذكر منها ما يأتي :
1 ـ علم النفس التعليمي : وهناك من يستعمل مصطلح ( علم اللغة التطبيقي ) للدلالة على هذا العلم دون غيره من الفروع الأخرى، وقد يطلق عليه أحيانا التعليمية أو علم اللغة التربوي . ويهتم هذا الفرع بالطرق والوسائل التي تمكن الطالب أو المتعلم والمعلم أو الأستاذ من اكتساب اللغة وتعليمها ، فهو يضع البرامج والخطط التي تساعد المعلم على القيام بواجبه على أحسن وجه في تعليم المهارات اللغوية مثل النطق، والقراءة والاستماع وغالبا ما ينطلق هذا العلم من بعض النظريات اللغوية كالتوزيعية ، والتوليدية التحويلية، والنظرية السلوكية وغيرها .
2 ـ علم اللغة النفسي : ويهتم هذا العمل بالسلوك اللغوي وخاصة من حيث اكتساب اللغة، واستخدامها في الواقع وهذا العلم هو نتاج علماء النفس ، وعلماء اللغة في محاولة الوصول إلى نظرية علمية حول اكتساب اللغة ، وخاصة عند الأطفال.
3 ـ علم اللغة الاجتماعي : وهو العلم الذي يدرس اللغة من حيث هي ظاهرة اجتماعية ، وبناء على هذا فهو يدرس اللغة بمستوياتها المختلفة ، كما أنه يدرس اللهجات الاجتماعية ، أو اللهجات الطبقية من حيث خصائصها الصوتية والتركيبية ، والدلالية ، كما يدرس مشكلة الازدواجية اللغوية والعلاقة بين الفصحى والعامية، والاستخدامات المختلفة للغة مثل لغة الإذاعة، ولغة الدين والسياسة، ولغة التعليم، والعلاقة بين اللغة والثقافة إلخ .
وبصورة عامة يتناول هذا العلم التأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع.
4 ـ علم اللغة الجغرافي : وهو العلم الذي يدرس اللغات ، واللهجات ويصنفها وفقا للمواقع الجغرافية وذلك بالنظر إلى خصائصها الصوتية ، والصرفية والنحوية أو الدلالية التي تتميز بها لهجة عن لهجة في بلد واحد، أو عدة بلدان بلغة واحدة .
5 ـ علم الأسلوب : وهو العلم الذي يدرس مظاهر التنوع والاختلاف في استخدام اللغة وهو في هذا الجانب قد يلتقي بعلم اللغة الاجتماعي ، إلا أنه يركز في دراسته على الاستخدام الفني والإبداعي والجمالي للغة .
6 ـ فن صناعة المعاجم : وهو العلم الذي يهتم بجمع المادة اللغوية، ووضع المعاجم وترتيب المداخل وإعداد الشروح والصور والنماذج المصاحبة لذلك وغير ذلك من العمليات الفنية الخاصة بتأليف المعاجم حتى يتم إخراج المعجم في صورته النهائية من حيث اختيار الورق والتجليد والإخراج ..
وقد أصبح الحاسوب في زماننا أحد الوسائل الهامة في جمع المادة اللغوية ، وترتيبها حتى عُدَّ ذلك فرعا جديدًا من علم المعاجم يطلق عليه ( علم المعاجم الحاسوبي ) .
7 ـ التخطيط اللغوي : ويطلق على هذا التخصص أحيانا الهندسة اللغوية ويهدف إلى حل مشكلات الاتصال اللغوي على مستوى الوطن ، أو الدولة وذلك بتقديم الخطط العلمية الواضحة بغرض التصدي للمشكلات اللغوية، واقتراح الحلول العلمية وفق برنامج زمني محدد وذلك من خلال الدراسات اللغوية كدراسة العلاقة بين اللهجات والعربية الفصحى، ومحاولة تقريب الهوة بينهما ، ودراسة مستويات اللغة الفصحى التي يراد بها السيادة في الحياة التثقيفية والتعليمية، والمستوى اللغوي الذي ينبغي على الحكام والوزراء والقادة استعماله، أو الذي ينبغي على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة الالتزام به ، ووضع الخطط لتعميم استعمال اللغة القومية إلخ .
ومن الواضح أن هذا التخطيط للغة يعتمد على حصيلة ونتائج الدراسات اللغوية العلمية، النظرية والتطبيقية من علم اللغة أو علم اللغة التعليمي وعلم اللغة الاجتماعي، وعلم اللغة الجغرافي وغيرها وكل هذا يأخذ في النهاية صورة برامج وخطط قابلة للتنفيذ.
وقبل أن نشرع في دراسة اللسانيات التطبيقية يحسن بنا في بداية الأمر أن ندرس ولو باختصار شديد علم اللسان ( اللسانيات ) باعتباره العلم الذي تفرعت منه اللسانيات التطبيقية؛ ولأنه يمثل الجانب النظري لها .